أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

318

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وذكر أبو البقاء هذا الوجه عن أبي علي في « تذكرته » ، وحكى عنه أنه منع أن يكون ظرفا ل « يَأْكُلُونَ » ، فإنّه قال : « فِي بُطُونِهِمْ ناراً » قد تقدّم في البقرة فيه شيء « 1 » ، ويخصّ هذا الموضع أن « فِي بُطُونِهِمْ » حال من « ناراً » أي : نارا كائنة في بطونهم ، وليس بظرف ل « يَأْكُلُونَ » ، ذكره في « التذكرة » . وفي قوله : « والذي يخصّ هذا الموضع » فيه نظر ، فإنه كما يجوز أن يكون « فِي بُطُونِهِمْ » حالا من « نار » هنا يجوز أن يكون حالا من « النار » في البقرة ، وفي إبداء الفرق عسر ، ولم يظهر في منع أبي علي كون « فِي بُطُونِهِمْ » ظرفا للأكل وجه ظاهر . قوله : وَسَيَصْلَوْنَ قرأ الجمهور بفتح الياء واللام ، وابن عامر وأبو بكر بضمّ الياء مبنيا للمفعول من الثلاثي . ويحتمل أن يكون من أصلى ، فلمّا بني للمفعول قام الأول مقام الفاعل . وابن أبي عبلة بضمّهما مبنيا للفاعل من الرباعي ، والأصل على هذه القراءة : سيصليون من أصلى مثل يكرمون من أكرم ، فاستثقلت الضمة على الياء فحذفت فالتقى ساكنان ، فحذف أولهما وهو الياء ، وضمّ ما قبل الواو ليصح . و « أصلى » : يحتمل أن تكون الهمزة فيه للدخول في الشيء ، فيتعدّى لواحد وهو « سَعِيراً » وأن تكون للتعدية فالمفعول محذوف ، أي : يصلون أنفسهم سعيرا . وأبو حيوة بضمّ الياء وفتح الصاد ، واللام مشددة ، مبنيا للمفعول من « صلّى » مضعفا . قال أبو البقاء : « والتضعيف للتكثير » . والصّلي : الإيقاد بالنار ، يقال : صلي بكذا - بكسر العين - ، وقوله : « لا يصلاها » « 2 » أي يصلى بها . وقال الخليل : صلي الكافر النار » قاسى حرّها . وصلاه النار وأصلاه غيره ، هكذا قال الراغب ، وظاهر هذه العبارة أنّ فعل وأفعل بمعنى ، يتعدّيان إلى اثنين ثانيهما بحرف الجر ، وقد يحذف . وقال غيره : « صلي بالنار أي : تسخّن بقربها » ، ف « سَعِيراً » على هذا منصوب على إسقاط الخافض . ويدلّ على أنّ أصل « يصلاها » يصلى بها قول الشاعر : 1559 - إذا أوقدوا نارا لحرب عدوّهم * فقد خاب من يصلى بها وسعيرها « 3 » وقيل : يقال صليته النار : أدنيته منها ، فيجوز أن يكون منصوبا من غير إسقاط خافض . والسعير في الأصل : الجمر المشتعل ، سعرت النار : أوقدتها ، ومنه : « مسعر حرب » على التشبيه . والمسعر : الآلة التي تحرّك بها النار . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 11 ] يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً ( 11 )

--> ( 1 ) آية رقم ( 174 ) . ( 2 ) سورة الليل ، آية ( 15 ) . ( 3 ) تقدم .